منوعات

بنات قلبى انجى الخطيب

الناس قالوا لها أنتي مجنونة؟ واحدة عزباء ودخلها على قدها تشيل شيلة زي دي؟ بس نادية عمرها ما ندمت، ولا مرة. السنين اللي بعدها كانت طحن؛ كانت بتفصل للبنات لبسهم من بقايا القماش، وتقعد تعد الفكة على الطبلية عشان تقرر نجيب لبن ولا ندفع وصل الكهرباء؟ كانت بتعيط لوحدها من التهديد بالليل، وتصحى الصبح تضحك في وش الزبائن.
دلوقتي، وبعد تسع سنين، المطر كان بيغرق الشوارع تاني. نادية قاعدة تحت اللمبة السهاري بتفنش فستان فرح، وفي الركن لجين وليلى بيلعبوا بقصاصات القماش. لجين الهادية اللي بتفهم كل حاجة من نظرة، وليلى اللي شقاوة الدنيا فيها.

الدنيا كانت دافية، أمان، السلام اللي نادية حاربت عشانه بإيديها وسنانها.
فجأة.. جرس المحل رن. نادية استغربت، الوقت اتأخر أوي. نزلت تفتح وهي بتمسح إيدها في مريلتها. أول ما فتحت الباب، لقت راجل واقف ببالطو شيك جداً وغرقان مطر؛ طويل، هيبته تخوف، ومن النوع اللي صوره بتنزل في مجلات رجال الأعمال.. وراه عربية سودة فخمة وسواقها مستني.
الراجل فضل باصص لنادية ثواني، وبعدين عينيه راحت للسلم، لمكان ما صوت ضحك البنات طالع من فوق. ملامحه اتخطفت، نوع من الذهول خلى نادية تحس بقبــ,,ـــــضة في قلبها.
أي خدمة يا أستاذ؟ سألته بحذر وهي بتلم طرحتها.

الراجل بلع ريقه بصعوبة وسألها بصوت واطي ومبحوح البنتين اللي فوق دول.. عندهم كام سنة؟
نادية قبــ,,ـــــضت إيدها على طرف الباب وردت بريبة عندهم تسع سنين.. ليه؟ فيه حاجة؟
الراجل جسمه اتهز وكأن الأرض مالت بيه، مد إيده في جيبه وطلع محفظة جلد غالية، وطلع منها صورة قديمة باهتة، ومعاها غويشة بلاستيك بتاعة مستشفيات الولادة.
نادية حست إن الدنيا وقفت. الغريب ده مكنش جاي صدفة. وو……….

الراجل كان بيترعش لدرجة إن الصورة وقعت من إيده على الأرض المبلولة، نادية وطت بسرعة جابتها، وشافت فيها ست جميلة جداً بملامح هادية بس عينيها حزينة، والست دي كانت حاضنة بيبي صغير، ووراها نفس الراجل ده بس وهو أصغر سناً بكتير. نادية حست إن ركبها مش شايلاها، ريحة الماضي فاحت في المكان مع ريحة المطر، والراجل نطق أخيراً وصوته طالع بالعافية أنا اسمي سليم الشافعي.. والبنات دول بناتي، بناتي اللي سرقوهم مني ومن أمهم وهي بتولد في المستشفى، وقالوا لنا إنهم ماتوا.

نادية رجعت خطوة لورا، ووشها بقى لونه أبيض زي القماش الستان اللي كانت بتخيطه، صرخت فيه بصوت مكتوم بنات مين؟ أنت بتقول إيه؟ دول بناتي أنا، أنا اللي شيلتهم من البرد، أنا اللي سهرت الليالي بيهم وهما بيمــ,,ـــــوتوا من السخونية، أنا اللي مكنتش باكل عشان أجيب لهم اللبن.. جاي دلوقتي بعد تسع سنين تقول بناتي؟.
سليم قرب منها وعينيه مليانة دموع، حاول يلمس طرف الباب بس نادية قفلته في وشه نص قفلة وهي بتنهج اسمعيني يا ست نادية..

أبوس إيدك اسمعيني، أنا قلبت الدنيا عليهم، اكتشفت الحقيقة متأخر، الممرضة اللي سرقتهم اعترفت وهي بتمــ,,ـــــوت، وقالت إنها خافت من الحكومة و رمتهم قدام الجامع اللي في آخر الشارع ده.. أنا بقالي سنة بلف في المنطقة دي، بسأل في كل الدفاتر، وبدور على أي خيط.. لغاية ما وصلت ليكي.
في اللحظة دي، ليلى ولجين نزلوا من على السلم وهما بيجروا، ليلى كانت ماسكة عروسة قماش نادية مخيطاها ليها، ولجين ماسكة كتاب المدرسة. البنات وقفوا ورا نادية، وبصوا للراجل الغريب بدهشة.

سليم أول ما شافهم، نزل على ركبه في الطين والمطر، وبدأ يشهق من العياط وهو باصص لملامحهم اللي هي نسخة طبق الأصل من صورة أمهم اللي في إيد نادية.
لجين سألت بصوت واطي ماما نادية.. هو عمو ده بيعيط ليه؟ هو ضيع حاجة؟. نادية لفت ليهم وحاولت تبتسم بس شفايفها كانت بتترعش، كأنها بتحاول تخبيهم جوه جسمها، وبصت لسليم بنظرة فيها خوف وكسرة وتحدي في نفس الوقت وقالت له امشي من هنا يا أستاذ.. البنات دول متعرفش عنهم حاجة، وملهمش أب غير مكنة الخياطة دي.. امشي قبل ما ألم عليك الحتة.

سليم وقف ومسح وشه، وبص لها بنظرة غريبة، مش نظرة تهديد، لكن نظرة واحد لقى روحه بعد ما ضاعت، وقال بلهجة فيها وجع مش همشي.. مش عشان آخدهم منك، أنا عارف إنك أنقذتيهم.. أنا جاي عشان أشكرك، وعشان أقولك إن القصر اللي أنا عايش فيه ميسواش ضفر واحدة فيهم.. أنتي ملكيش ذنب، وهما ملهمش ذنب.. بس أنا مش هتحرك من هنا إلا وهما
نادية حست

إن الحيطان بتلف بيها، والدنيا اللي كانت فاكرة إنها رتبتها بالخيط والإبرة، اتكعبلت خيوطها كلها في ثانية واحدة. فجأة، البرق نور السما، وصوت الرعد زلزل المحل، ونادية لقت نفسها بتشد البنات لجوه وبتقول لسليم بحدة ادخل.. ادخل من المطر ده، والكلمتين اللي عندك قولهم جوه، بس وحياة غلاوتهم عندي، لو حاولت تلمس واحدة فيهم، هكون أنا والزمن عليك. سليم دخل المحل بخطوات مهزوزة، وعينيه مش مفارقة البنات اللي مستخبيين في لبس نادية، والمحل الصغير اللي كان دافي بالستر، بقى فجأة مسرح لأصعب مواجهة ممكن نادية تعيشها في حياتها.

سليم دخل المحل وراسه خابطة في السقف من طوله وهيبته، المكان اللي كان ضيق بس دافي، فجأة بقى خانق ونسمة الهوا فيه تقيلة. قعد على كرسي خشب قديم من بتاع الزبائن، والكرسي صر تحت حمله وكأنه بيشتكي. نادية وقفت قدامه زي الأسد اللي بيحرس ضناه، مربعة إيدها والشريط المازورة لسه ملفوف حول رقبتها، وعينيها منزلتش من عليه لحظة.
ليلى ولجين كانوا واقفين ورا نادية، بيطلوا من ورا ضهرها بفضول طفولي ممزوج بخوف.

سليم مد إيده الرعاشة وطلع علبة قطيفة من جيب البالطو، فتحها فبان فيها عقد دهب رقيق أوي فيه فصين لؤلؤ، وقال بصوت مهزوز ده كان مجهز ليهم من قبل ما يتولدوا.. أمهم، الله يرحمها، كانت بتقول لي ليلى ولجين هيبقوا أجمل بنتين في الدنيا. مكنتش أعرف إن القدر هيخليني أشوفهم وهما شباك وسقف لبيت حد غيري.
نادية أول ما سمعت الله يرحمها، قلبها رق لثانية بس سرعان ما قست ملامحها تاني الدهب والقصور مبيعملوش أهل يا أستاذ سليم. البنات دول كبروا على صوت المكنة دي، وشربوا حنيتي مع اللبن اللي كنت

بجيبه بشقايا. هما ميعرفوش غيري، وميعرفوش يعني إيه أب سابهم تسع سنين للريح.
سليم قام وقف، وقرب خطوة، نادية رجعت البنات لورا أكتر، بس هو وقف مكانه وقال بحــ,,ـــــرقة أنا متخلوش عنهم! أنا اتنصب عليا في أغلى ما أملك! المستشفى اللي ولدوا فيها كانت بتتاجر في الأطفال، والمدير بتاعها اتقبــ,,ـــــض عليه في قضية تانية واعترف بكل حاجة قبل ما يمــ,,ـــــوت. أنا بقالي سنين عايش ميت، بشتغل زي المكنة عشان أنسى وجعي، لحد ما الخيط وصلني لهنا. أنا مش جاي أهد بيتك يا نادية، أنا جاي أقولك إنك عملتي اللي أنا مقدرتش أعمله.. أنتي اللي بقيتي الأصل وهم الفروع.

في اللحظة دي، لجين، البنت الهادية اللي بتفهم من عينين الأم، سابت لبس نادية وقربت من سليم بخطوات بطيئة. نادية شهقت تعالي هنا يا لجين!، بس البنت مسمعتش، وقفت قدام سليم وبصت في عينيه الغرقانة دموع وسألته ببراءة تقطع القلب هو أنت كنت بتدور علينا كتير؟.
سليم انهار، نزل على الأرض تاني وبقى مستواهم، وبدأ يهز راسه وهو مش قادر ينطق، لجين مدت إيدها الصغيرة ومسحت دمعة نازلة على خده، وقالت له متحيطش.. ماما نادية بتقول إن اللي بيضيع ربنا بيرجعه لو هو طيب.

نادية حست بخنجر دخل في قلبها، الجملة اللي كانت بتحفظها للبنات عشان تصبرهم على قسوة الدنيا، هي هي اللي دلوقتي بتفتح الباب للراجل ده عشان ياخدهم منها. ليلى كمان جريت على أختها، وبقوا هما التلاتة في كادر واحد تحت نور اللمبة السهاري الضعيف، سليم وبناته اللي من صلبه، ونادية واقفة بعيد، حاسة لأول مرة إن غرزة حب اللي خيطتها السنين دي كلها، ممكن تتكرج في ثانية.
سليم بص لنادية وقال وهو لسه على الأرض أنا مش هاخدهم غصب، ولا هحرمك منهم.. بس أنا عايزهم يعرفوا إن ليهم ضهر، وإنهم مش لوحدهم في الدنيا.

أنا عايز أعوضك وأعوضهم عن كل يوم برد عدى عليهم.
نادية ضحكت بوجع وقالت له تعوض مين يا أستاذ؟ تعوضني عن قعدتي للفجر بصلح فساتين ناس عشان أجيب لهم طقم العيد؟ ولا تعوضني عن الخوف اللي كنت بحسه كل ما واحدة فيهم تسخن وأنا معاييش تمن الكشف؟ التعويض ده كلمة متقالش للي زيي.. بناتي مش للبيع، ولا بالفلوس ولا بالدهب.
سليم لسه هيرد، لقى تليفونه رن بصوت عالي، بص في الشاشة واتخطف لونه، وبص لنادية برعب وقال الحكاية لسه مخلصتش.. فيه حد تاني عرف بوجودهم، وحد مش عايزهم يظهروا أبداً يا نادية.

نادية برقت عينيها وحست بخطر حقيقي لأول مرة قصدك إيه؟ مين دول؟.
سليم وهو بيبص للشارع من ورا إزاز المحل اللي المطر مغطيه أهلي.. عيلة الشافعي. الميراث اللي هيتقسم الشهر الجاي لو البنات دول ظهروا، هيقلب كيان الكل.. والعربية السودة اللي ركنت ورا عربيتي دي مش تبعي!.
نادية قلبت قفل الباب بسرعة وهي بتنهج، وبصت لمكنة الخياطة بتاعتها وكأنها بتستنجد بيها، وبصت للبنات وقالت بصوت واطي ومرعوب اطلعوا فوق استخبوا تحت السرير ومحدش يطلع صوت واصل.. فاهمين؟
البنات جفوا في مكانهم، ليلى مسكت في أيد لجين وهما باصين لنادية ببربشة وخوف، لأول مرة يشوفوا ماما نادية مهزوزة كدا.

نادية زعقت بوشوشة وهي بتزقهم ناحية السلم الخشب بسرعة! مسمعش نفس واحدة فيكم.. مهما حصل متنزلوش!. البنات طلعوا يجري ونادية وقفت ورا الباب، قلبها بيدق زي المكنة السنجر اللي قدامها، وسليم واقف مشلول، عينيه على العربية السودة اللي نزل منها تلات رجالة ببدل غامقة، ملامحهم زي الحجر، والمطر نازل على وشوشهم مبيخليهمش يرمشوا.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى